السلام لا يُصنع في الغرف المغلقة
لا يمكن تحقيق السلام المستدام في السودان من خلال تفاهمات نخبوية مغلقة أو عبر إرادات خارجية بعيدًا عن المجتمع. يتطلب الأمر بناء قاعدة اجتماعية واسعة يشعر من خلالها القبائل والمناطق والأحزاب والبدو والرحل بأن الدولة تمثل مظلة جامعة، وليس طرفًا في الصراع. ورغم تكرار الخطاب السياسي حول «معالجة جذور الأزمة»، يستخدم كثير من الفاعلين هذا الشعار لإعادة ترتيب الاصطفافات بما يخدم أجنداتهم التفاوضية، بدلاً من بناء سلام حقيقي يستند إلى إعادة تنظيم المجتمع وترميم العلاقة بين الدولة ومكوناته.
أزمة الشرعية وتمثيل المجتمع
أدى غياب التمثيل الحقيقي لفئات الشعب السوداني إلى تسويات سياسية لا تعكس مصالح المجتمع، مما أسفر عن فشل الاتفاقيات المتعاقبة - رغم بعض النجاحات الجزئية - في إنتاج سلام شامل ومستدام. مع تزايد الصراعات، تآكلت ثقة المجتمع في الفاعلين السياسيين، وتحول الشعب من مشارك في تقرير مصيره إلى متلقٍ لنتائج تفاوض لا يشارك فيها. وبالتوازي، تراجعت فاعلية مؤسسات الدولة بفعل الفساد والمحسوبية، مما عمق الشعور بالاغتراب داخل الدولة.
في هذا السياق، أصبحت الشرعية مرتبطة بالأداء والالتزام والشفافية، وهي تسقط تلقائيًا عن أي جهة تخل بهذه المعايير. وبالتالي، فإن بداية السلام تمر عبر تنظيم المجتمع وإبراز ممثلين حقيقيين له على أسس اجتماعية شفافة، في ظل تعطّل الآليات الانتخابية التقليدية بعد الحرب.
دور الدولة ومسار السلام
تكتسب أي مبادرة صادرة عن الدولة أهمية نسبية، بوصفها الإطار القانوني المعترف به دوليًا وصاحبة السلاح الشرعي. لكن هذا المسار يظل ناقصًا إذا اقتصر على مؤسسات الدولة وحدها، إذ لا يمكن الانتقال من ضجيج الفاعلين إلى سلام مستدام دون استعادة الشعب لدوره كفاعل رئيسي يحدد معايير الشرعية وآليات تنفيذ السلام.
لماذا انهارت اتفاقيات السلام السابقة؟
لم تتحول اتفاقيات السلام في السودان إلى سلام دائم لأنها جاءت في إطار تسويات سياسية ضيقة، تهربت من فتح الملف التاريخي للأزمة. ومع تراكم التجارب، أصبح المجتمع أكثر وعيًا بطبيعة هذه الصفقات التي غالبًا ما:
- تنهار سريعًا
ـ تؤدي إلى تقسيم الوطن
ـ تعيد إنتاج النخب نفسها
كما تحوّل رفع السلاح من وسيلة لانتزاع الحقوق إلى أداة لتقاسم السلطة والثروة، مما شجع العنف كآلية تفاوض بديلة عن العمل السياسي
الجيش والأحزاب بين الواقع والإصلاح
منذ الاستقلال، ظل الجيش والأحزاب السياسية المؤسستين الأكثر تأثيرًا. يمتلك الجيش مفاتيح العنف المنظم، بينما تمتلك الأحزاب الشرعية المدنية. وأي عملية سلام لا تدمج الطرفين ستبقى شكلية.
لكن التعامل مع المؤسسة العسكرية يجب أن يكون واقعيًا. تفكيكها أو إضعافها لا يبني دولة، بل يهدد بانهيارها. يبدأ الإصلاح الحقيقي بإعادة بناء الثقة بين المجتمع والفاعلين السياسيين، والحفاظ على مؤسسات الدولة مع إصلاحها بدلاً من تدميرها. تثبت تجارب الإقليم أن التفكك الكامل للمؤسسات يفاقم الأزمات، بينما يحوّل الإصلاح المدروس المؤسسات إلى جزء من الحل.
استعادة القرار الوطني وكسر احتكار النخب
أحيانًا تسعى القوى السياسية والعسكرية نحو تسويات تحافظ على مصالحها القديمة. لكن الحراك الشعبي أصبح عنصر ضغط يرفض أي اتفاق يتجاهل السيولة الأمنية أو يعيد إنتاج شروط الأزمة. بعد ثورة ديسمبر، أدرك السودانيون ضرورة الانتقال من الاحتجاج إلى التنظيم عبر تكوين أجسام اجتماعية واسعة القاعدة. هذه الأجسام تكسر احتكار القرار، وتخلق شرعية شعبية جديدة تقوم على الرقابة والمساءلة، وتحوّل الصراع من لعبة نفوذ إلى مشروع وطني جامع.
حماية السيادة… دون شعارات
الدعم الخارجي في النزاعات ليس مسألة عسكرية فقط، بل قضية سيادية تتعلق باحتكار الدولة للقرار. ينبغي معالجة هذا الأمر عبر مسار قانوني–دبلوماسي منظم، مع الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن المساواة بين الجيش كمؤسسة سيادية وبين المليشيات المسلحة. فهذه المساواة تنزع عن الدولة حقها في احتكار العنف، وتؤسس لحروب مؤجلة. المطــلوب هو تأســيس «حـد وطــني أدنى» يشــمل:
- ـ احتكار السلاح داخل الدولة
ـ وحدة القيادة العسكرية
ـ تجريم العنف خارج الإطار القانوني
نحو سلام يملكه المجتمع
في الختام، إن السلام المستدام في السودان لن يصنعه الخارج، ولن تحققه تسويات النخب وحدها، ولن يقوم على توازن الضعف فقط. بل يتطلب:
ـ تمثيلاً حقيقيًا للمجتمع
ـ شرعية قائمة على الأداء لا الشعارات
إصلاحًا مؤسسيًا لا تفكيكًا -
ـ مشاركة شعبية واسعة
ـ قرارًا وطنيًا مستقلًا
بهذا فقط يتحول الشعب من تابع إلى فاعل، وتتحول الدولة من طرف في الصراع إلى مظلة جامعة.







