ترجمة

This is default featured slide 1 title

Go to Blogger edit html and find these sentences.Now replace these sentences with your own descriptions.

This is default featured slide 2 title

Go to Blogger edit html and find these sentences.Now replace these sentences with your own descriptions.

This is default featured slide 3 title

Go to Blogger edit html and find these sentences.Now replace these sentences with your own descriptions.

This is default featured slide 4 title

Go to Blogger edit html and find these sentences.Now replace these sentences with your own descriptions.

This is default featured slide 5 title

Go to Blogger edit html and find these sentences.Now replace these sentences with your own descriptions.

الثلاثاء، 13 يناير 2026

الخرطوم تعود: صمود وتضحيات وراء الرمز

 



الخرطوم ليست مجرد مدينة، بل هي رمز للسودان وعاصمته المعنوية والسياسية. تحتوي على القصر الجمهوري، القيادة العامة للقوات المسلحة، البنك المركزي، والسفارات، مما يجعلها مركز الثقل السياسي والاقتصادي في البلاد. مع إعلان رئيس الوزراء عن عودة حكومة الأمل إلى الخرطوم، تتجلى هذه العودة بعد تضحيات كبيرة، لتؤكد أن العاصمة قادرة على النهوض مهما تعرضت للمحن.
قبل 15 أبريل، كانت الخرطوم تمثل العاصمة القومية، ومقر السلطة السيادية في السودان. عودة حكومة الأمل إليها تعني استئناف المدينة دورها كمركز لاستقبال الوفود الحكومية، واستعادة الخدمات للمواطنين.ورغم الضرر الذي لحق بالبنية التحتية، فإن عودة الحكومة دشنت بداية عملية الإعمار، حيث عاد أكثر من مليون شخص إلى الخرطوم، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة . وأعرب رئيس الوزراء عن دعم الحكومة لتحسين الخدمات وإعادة الإعمار، مما يعكس جدية السلطات في إعادةالخرطوم إلى مكانتها الطبيعية كعاصمة سيادية وخدمية.


الخرطوم في قلب المواجهة: تحديات العاصمة وتضحياتها

في منتصف أبريل 2023، استيقظت الخرطوم على دويّ الانفجارات وأصوات الاشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع، ما أدى فورًا إلى توقف الرحلات في مطار الخرطوم الدولي. داخل صالات المطار، تفاجأ المسافرون بانتشار قوات الدعم السريع، لتتوقف الحركة تدريجيًا وتتعطل الخدمات قبل أن يُغلق المطار بالكامل. ومع إغلاق الجسور وتبادل إطلاق النار، شُلّت حركة التنقل داخل المدينة، واضطر السكان إلى البقاء في منازلهم أو البحث عن طرق بديلة للخروج، في وقت لم تُستأنف فيه الرحلات المدنية إلا في أكتوبر 2025.
امتد تأثير الحرب ليشمل مختلف مرافق العاصمة، حيث خرجت المستشفيات عن الخدمة، وتوقفت أقسام الشرطة، وأُغلقت الأسواق والجامعات، ما أدى إلى شلل شبه كامل للحياة المدنية. هذا الانهيار الخدمي دفع أعدادًا كبيرة من المواطنين إلى النزوح، بينما واصل العاملون المدنيون، من كوادر صحية وخدمية، أداء مهامهم في ظروف بالغة الصعوبة، مقدمين تضحيات كبيرة للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات داخل مدينة تحولت من مركز سيادي وخدمي إلى ساحة صراع مفتوحة.
هذه التحديات لم تؤثر فقط على الحياة اليومية للمواطنين، بل أظهرت حجم التضحيات التي قدمها أبطال القوات المسلحة للحفاظ على استمرار المدينة وعودتها تدريجيًا إلى الواجهة، كما أبرزت هشاشة البنية التحتية، ما يوضح مدى أهمية جهود الجيش في استعادة الرمزية السياسية والخدمية للعاصمة.

العودة إلى العاصمة: من الرمزية إلى الفعل

أعلنت الحكومة السودانية عودتها بكامل عضويتها إلى العاصمة الخرطوم، منهية مرحلة كانت فيها مدينة بورتسودان عاصمة مؤقتة لإدارة شؤون الدولة. وجاء الإعلان من أعلى سلطة تنفيذية، بما يؤكد أن العودة لا تندرج في إطار الاجتماعات البروتوكولية أو المؤتمرات الرمزية، بل تمثل خطوة عملية نحو تطبيع الحياة واستئناف جهود إعادة الإعمار. عمليًا، تعني هذه العودة انتقال الدولة من إدارة الأزمة عن بُعد إلى مباشرة مهامها من قلب العاصمة، بعد سلسلة من الجهود الميدانية التي سبقت الانتقال، شملت إزالة مخلفات الحرب، فتح الطرق والجسور، واستئناف عمل أقسام الشرطة مع انتشار الدوريات لتأمين الأحياء وبسط الأمن. كما أسهمت مبادرات شعبية، بالتعاون مع الفرق الفنية المتخصصة، في إعادة تشغيل خطوط الكهرباء والمياه إلى عدد من الأحياء، في تعبير واضح عن شراكة المجتمع في استعادة الحياة. وتزامن ذلك مع بدء إعادة تشغيل مطار الخرطوم، وافتتاح بعض المدارس والجامعات، وعودة عدد من البنوك والمؤسسات الخدمية إلى العمل، ما يعكس أن عودة الحكومة ليست خطوة رمزية، بل بداية فعلية لإعادة بناء العاصمة واستعادة دورها السياسي والخدمي. وفي هذا السياق، تثبت الخرطوم قدرتها على النهوض واستعادة حركتها، مستندة إلى صمود سكانها خلال سنوات الحرب، والتضحيات الكبيرة التي قدمتها القوات المسلحة في تحرير المدينة، حيث نجح الجيش في إعادة الأمن وتوفير الاستقرار وبسط سيادة الدولة، وهو ما يهيئ شروط إعادة الإعمار من إرادة شعبية، وحكومة ملتزمة، وقوة عسكرية قادرة على الحماية والدفاع. ومن الناحية السياسية، تعني عودة الحكومة إلى الخرطوم استعادة الشرعية، بما يعزز موقعها في موازين الحرب، ويقوي سرديتها، ويؤكد الدور المحوري للقوات المسلحة في صون رمزية العاصمة وحفظ السيادة الوطنية.

تحولات الوعي والاصطفاف الوطني

على المستوى المجتمعي، قابل السودانيون عودة الحكومة إلى الخرطوم بمزيج من الفرح الحذر والتطلعات الكبيرة للمستقبل، بعد تجربة قاسية أعادت تشكيل وعيهم بدور الدولة وأهميتها. فقد أسهمت الحرب، بما حملته من تهديد وجودي، في رفع مستوى الوعي الشعبي بضرورة المحافظة على مؤسسات الدولة وعدم التفريط فيها، كما عززت الشعور بالوحدة الوطنية الذي كان غائبًا أو متراجعًا في الوعي العام قبل اندلاع الصراع. هذا التحول تجلّى في الاصطفاف الواسع خلف القوات المسلحة، التي بات ينظر إليها بوصفها الضامن الأساسي لبقاء الدولة، وهو اصطفاف لم يكن عاطفيًا فقط، بل تُرجم عمليًا في حملات الاستنفار الشعبي والمبادرات المجتمعية الواسعة التي شاركت في إعادة الإعمار، ودعم الخدمات، والمساندة الميدانية. وفي المقابل، كشفت الحرب عن تشوهات واختلالات عميقة في بنية الدولة ومساراتها السياسية السابقة، ما انعكس في رفض شعبي واضح لأي مبادرات سياسية تُفرض من الخارج أو تسويات تعيد قوات الدعم السريع إلى مستقبل المشهد السياسي، باعتبار أن تلك الخيارات لا تتوافق مع تطلعات السودانيين لبناء دولة مستقرة، موحدة، وقادرة على حماية سيادتها.

في المحصلة، لا تختزل عودة الخرطوم في كونها عودة جغرافية لمقار الحكم، بل استعادة لمعنى الدولة ورمزيتها في الوعي الجمعي للسودانيين. فالمدينة التي كانت مركز السيادة والقرار قبل الحرب، تعود اليوم محمّلة بذاكرة الألم والتضحيات، لكنها تعود أيضًا بإرادة النهوض وإعادة بناء ما تهدّم. غير أن رمزية العاصمة لا تكتمل بالوجود الرسمي وحده، بل بقدرتها على ترجمة هذه العودة إلى أمن مستدام، وخدمات فاعلة، وعدالة تُعيد الثقة بين الدولة والمجتمع. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تنجح هذه العودة في التحول من لحظة رمزية إلى مسار دائم يعالج اختلالات الدولة التي كشفتها الحرب، أم تظل الخرطوم رمزًا مستعادًا في الشكل، بينما تبقى تحديات البناء الحقيقي مؤجلة؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل العاصمة، بل ملامح السودان في مرحلة ما بعد الحرب.



الاثنين، 5 يناير 2026

السلام المستدام في السودان: من النخب إلى المجتمع



السلام لا يُصنع في الغرف المغلقة

 لا يمكن تحقيق السلام المستدام في السودان من خلال تفاهمات نخبوية مغلقة أو عبر إرادات خارجية بعيدًا عن المجتمع. يتطلب الأمر بناء قاعدة اجتماعية واسعة يشعر من خلالها القبائل والمناطق والأحزاب والبدو والرحل بأن الدولة تمثل مظلة جامعة، وليس طرفًا في الصراع. ورغم تكرار الخطاب السياسي حول «معالجة جذور الأزمة»، يستخدم كثير من الفاعلين هذا الشعار لإعادة ترتيب الاصطفافات بما يخدم أجنداتهم التفاوضية، بدلاً من بناء سلام حقيقي يستند إلى إعادة تنظيم المجتمع وترميم العلاقة بين الدولة ومكوناته.
 
أزمة الشرعية وتمثيل المجتمع

 أدى غياب التمثيل الحقيقي لفئات الشعب السوداني إلى تسويات سياسية لا تعكس مصالح المجتمع، مما أسفر عن فشل الاتفاقيات المتعاقبة - رغم بعض النجاحات الجزئية - في إنتاج سلام شامل ومستدام. مع تزايد الصراعات، تآكلت ثقة المجتمع في الفاعلين السياسيين، وتحول الشعب من مشارك في تقرير مصيره إلى متلقٍ لنتائج تفاوض لا يشارك فيها. وبالتوازي، تراجعت فاعلية مؤسسات الدولة بفعل الفساد والمحسوبية، مما عمق الشعور بالاغتراب داخل الدولة. في هذا السياق، أصبحت الشرعية مرتبطة بالأداء والالتزام والشفافية، وهي تسقط تلقائيًا عن أي جهة تخل بهذه المعايير. وبالتالي، فإن بداية السلام تمر عبر تنظيم المجتمع وإبراز ممثلين حقيقيين له على أسس اجتماعية شفافة، في ظل تعطّل الآليات الانتخابية التقليدية بعد الحرب. 
 
دور الدولة ومسار السلام 

 تكتسب أي مبادرة صادرة عن الدولة أهمية نسبية، بوصفها الإطار القانوني المعترف به دوليًا وصاحبة السلاح الشرعي. لكن هذا المسار يظل ناقصًا إذا اقتصر على مؤسسات الدولة وحدها، إذ لا يمكن الانتقال من ضجيج الفاعلين إلى سلام مستدام دون استعادة الشعب لدوره كفاعل رئيسي يحدد معايير الشرعية وآليات تنفيذ السلام. 
 
لماذا انهارت اتفاقيات السلام السابقة؟

 لم تتحول اتفاقيات السلام في السودان إلى سلام دائم لأنها جاءت في إطار تسويات سياسية ضيقة، تهربت من فتح الملف التاريخي للأزمة. ومع تراكم التجارب، أصبح المجتمع أكثر وعيًا بطبيعة هذه الصفقات التي غالبًا ما: - تنهار سريعًا 
 ـ تؤدي إلى تقسيم الوطن 
 ـ تعيد إنتاج النخب نفسها 
 كما تحوّل رفع السلاح من وسيلة لانتزاع الحقوق إلى أداة لتقاسم السلطة والثروة، مما شجع العنف كآلية تفاوض بديلة عن العمل السياسي

 الجيش والأحزاب بين الواقع والإصلاح

 منذ الاستقلال، ظل الجيش والأحزاب السياسية المؤسستين الأكثر تأثيرًا. يمتلك الجيش مفاتيح العنف المنظم، بينما تمتلك الأحزاب الشرعية المدنية. وأي عملية سلام لا تدمج الطرفين ستبقى شكلية. لكن التعامل مع المؤسسة العسكرية يجب أن يكون واقعيًا. تفكيكها أو إضعافها لا يبني دولة، بل يهدد بانهيارها. يبدأ الإصلاح الحقيقي بإعادة بناء الثقة بين المجتمع والفاعلين السياسيين، والحفاظ على مؤسسات الدولة مع إصلاحها بدلاً من تدميرها. تثبت تجارب الإقليم أن التفكك الكامل للمؤسسات يفاقم الأزمات، بينما يحوّل الإصلاح المدروس المؤسسات إلى جزء من الحل. 

 استعادة القرار الوطني وكسر احتكار النخب

 أحيانًا تسعى القوى السياسية والعسكرية نحو تسويات تحافظ على مصالحها القديمة. لكن الحراك الشعبي أصبح عنصر ضغط يرفض أي اتفاق يتجاهل السيولة الأمنية أو يعيد إنتاج شروط الأزمة. بعد ثورة ديسمبر، أدرك السودانيون ضرورة الانتقال من الاحتجاج إلى التنظيم عبر تكوين أجسام اجتماعية واسعة القاعدة. هذه الأجسام تكسر احتكار القرار، وتخلق شرعية شعبية جديدة تقوم على الرقابة والمساءلة، وتحوّل الصراع من لعبة نفوذ إلى مشروع وطني جامع.
 
 حماية السيادة… دون شعارات

 الدعم الخارجي في النزاعات ليس مسألة عسكرية فقط، بل قضية سيادية تتعلق باحتكار الدولة للقرار. ينبغي معالجة هذا الأمر عبر مسار قانوني–دبلوماسي منظم، مع الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن المساواة بين الجيش كمؤسسة سيادية وبين المليشيات المسلحة. فهذه المساواة تنزع عن الدولة حقها في احتكار العنف، وتؤسس لحروب مؤجلة. المطــلوب هو تأســيس «حـد وطــني أدنى» يشــمل: -                        ـ احتكار السلاح داخل الدولة   
ـ وحدة القيادة العسكرية 
 ـ تجريم العنف خارج الإطار القانوني  

 نحو سلام يملكه المجتمع

 في الختام، إن السلام المستدام في السودان لن يصنعه الخارج، ولن تحققه تسويات النخب وحدها، ولن يقوم على توازن الضعف فقط. بل يتطلب: 
ـ تمثيلاً حقيقيًا للمجتمع 
ـ شرعية قائمة على الأداء لا الشعارات 
 إصلاحًا مؤسسيًا لا تفكيكًا -
 ـ مشاركة شعبية واسعة
  ـ قرارًا وطنيًا مستقلًا
 بهذا فقط يتحول الشعب من تابع إلى فاعل، وتتحول الدولة من طرف في الصراع إلى مظلة جامعة. 

الأحد، 28 ديسمبر 2025

اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال: توسّع استراتيجي في أمن البحر الأحمر

  

لم يكن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتراف بإقليم أرض الصومال خطوة دبلوماسية معزولة، بل جاء ضمن مقاربة إسرائيلية أوسع لإعادة التموضع الاستراتيجي خارج نطاق الشرق الأوسط التقليدي.
هذا التحرك يكشف تحولات أعمق في بنية الأمن الإقليمي، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع المصالح الاقتصادية والأمن البحري، في منطقة أصبحت مسرحًا للتنافس غير المباشر بين القوى الإقليمية والدولية.

أهمية التوقيت والموقع الجغرافي
تكمن خطورة الخطوة في موقع أرض الصومال المطل على خليج عدن وبالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
ولا يبدو الاعتراف مجرد إشارة سياسية لكيان انفصالي، بل محاولة لتوسيع نطاق النفوذ الإسرائيلي في البحر الأحمر، خاصة مع تصاعد تهديدات الحوثيين وتزايد الحضور الإيراني غير المباشر في الممرات البحرية.

الشرارة الأولى وردود الفعل
جاء الإعلان بعد لقاء رسمي بين بنيامين نتنياهو ورئيس إقليم أرض الصومال عبد الرحمن عرو، ما فجّر موجة رفض واسعة:
الصومال الفيدرالي: وصفت الخطوة بأنها «خط أحمر» وانتهاك مباشر للسيادة.
الجامعة العربية: اعتبرته مساسًا بوحدة دولة عربية وتهديدًا للأمن القومي العربي.
الاتحاد الأفريقي: حذّر من خلق سابقة قانونية تهدد الدول الهشة في القارة.
منظمة التعاون الإسلامي: أكدت دعمها لوحدة الأراضي الصومالية.
الولايات المتحدة: أبدت تحفظًا واضحًا خشية زعزعة الاستقرار الإقليمي.
في المقابل، لم تظهر مواقف دولية داعمة بشكل صريح، ما يعكس حساسية الملف وتعقيداته.

لماذا أقدمت إسرائيل على هذه الخطوة؟
1. الأمن البحري والاقتصادي
تنظر إسرائيل إلى البحر الأحمر بوصفه امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي. والتموضع قرب باب المندب يمنحها قدرة أكبر على مراقبة حركة التجارة الدولية في ظل الهجمات المتصاعدة على الملاحة.
2. إعادة تشكيل التوازن الإقليمي
تمثل الخطوة محاولة لنقل جزء من الصراع غير المباشر مع إيران إلى مسارح أبعد جغرافيًا، وتوسيع دائرة الاشتباك خارج الشرق الأوسط التقليدي.
3. استثمار هشاشة الكيانات غير المعترف بها
أرض الصومال، غير المعترف بها دوليًا منذ عام 1991، تمثل فرصة لعقد تفاهمات أمنية غير معلنة وبكلفة سياسية أقل، بعيدًا عن الأطر القانونية متعددة الأطراف.

التداعيات المحتملة
قد تفتح هذه الخطوة الباب أمام:
تعزيز التدخلات الأمنية والاستخباراتية في الصومال.
تشجيع النزعات الانفصالية داخل القارة الأفريقية.
تحويل ملف محلي إلى ساحة صراع نفوذ دولي مفتوح.
في هذا السياق، تتحول الجغرافيا الهشة إلى أصول استراتيجية يجري توظيفها في لعبة النفوذ الكبرى.

مقارنة تاريخية: جنوب السودان نموذجًا
تشير تجربة استقلال جنوب السودان إلى أن الاعتراف الدولي لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار.
فرغم الدعم الواسع، دخلت الدولة الجديدة في دوامة صراعات داخلية وانهيارات اقتصادية وتدخلات خارجية، ما يطرح سؤالًا جوهريًا:
هل يعزز الاعتراف الاستقرار أم يكرّس الهشاشة؟

قراءة ختامية
اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال ليس مجرد تطور دبلوماسي، بل يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية القرن الأفريقي كنقطة التقاء بين الأمن البحري والاقتصاد العالمي وصراعات النفوذ.
ورغم أن الأثر العسكري المباشر قد يبدو محدودًا على المدى القصير، فإن المخاطر السياسية والأمنية بعيدة المدى واضحة، وتشمل تهديد وحدة الصومال، وإعادة فتح ملف الانفصال في أفريقيا، وتغيير قواعد اللعبة في البحر الأحمر.
المنطقة اليوم أمام مفترق طرق حاسم:

إما تثبيت مبدأ وحدة الدول، أو الدخول في مرحلة جديدة من السيولة الجيوسياسية.


الجمعة، 26 ديسمبر 2025

غارات سعودية على مواقع المجلس الانتقالي في حضرموت: دلالات إقليمية وتداعيات سياسية

 

تمثيل بصري تحليلي لحضرموت يوضح موقعها الاستراتيجي ضمن التوازنات الإقليمية شرق اليمن
 


شنت مقاتلات جوية سعودية، صباح الجمعة، غارات استهدفت مواقع وتحركات تابعة لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظة حضرموت شرقي اليمن، في تطور ميداني لافت يأتي بالتزامن مع تصاعد المواجهات بين قوات الانتقالي وحلف قبائل حضرموت. ووفق مصادر إعلامية يمنية، وقعت الغارات في مناطق تشهد توتراً أمنياً متزايداً، وسط غياب تعليق رسمي من الجانب السعودي أو الحكومة اليمنية حول تفاصيل العملية ونتائجها.

أفادت وسائل إعلام يمنية، بينها مواقع محلية نقلت عن مصادر ميدانية، بأن سلاح الجو السعودي نفذ ضربات جوية استهدفت مواقع مستحدثة لقوات النخبة الحضرمية التابعة للمجلس الانتقالي في وادي نحب بمديرية غيل بن يمين، وهي إحدى بؤر الاشتباك الرئيسية مع مسلحي حلف قبائل حضرموت.
وبحسب ما بثته وسائل إعلام تابعة للمجلس الانتقالي، أسفرت المواجهات الأخيرة عن مقتل جنديين وإصابة 12 آخرين من قوات النخبة الحضرمية، خلال اشتباكات اندلعت في هضبة حضرموت. كما أظهرت مقاطع مصورة متداولة على منصات التواصل الاجتماعي أعمدة دخان وحرائق قيل إنها ناجمة عن القصف الجوي، دون تأكيد رسمي مستقل لحصيلة الخسائر.
وتعد هذه الضربات، وفق مصادر إعلامية، أول قصف جوي يستهدف مواقع تابعة للمجلس الانتقالي في حضرموت، ما منح التطورات بعداً سياسياً وإقليمياً أوسع مقارنة بالاشتباكات المحلية السابقة.

في أعقاب الغارات، أكد المجلس الانتقالي الجنوبي التزامه بالشراكة مع دول التحالف العربي، معرباً عن انفتاحه على أي ترتيبات أو تنسيق يضمن المصالح المشتركة مع السعودية. وأوضح المجلس، في بيان رسمي، أن تحركات قواته في حضرموت والمهرة جاءت استجابة لما وصفه بدعوات محلية لمواجهة تهديدات أمنية، في إشارة إلى الجماعات الإرهابية.
في المقابل، أعلنت وزارة الخارجية السعودية أن التحركات العسكرية التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة تمت دون موافقة مجلس القيادة الرئاسي اليمني أو التنسيق مع تحالف دعم الشرعية. وأكدت الرياض أن الجهود متواصلة لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً، داعية المجلس الانتقالي إلى إنهاء التصعيد وسحب قواته من المحافظتين بشكل عاجل.
وحظي الموقف السعودي بترحيب من الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي، إضافة إلى السلطة المحلية في حضرموت وحلف قبائل حضرموت، الذين اعتبروا أن التحركات الأحادية تهدد الاستقرار المحلي.

من زاوية إقليمية، تعكس الغارات الجوية السعودية حرص الرياض على ضبط التوازن الأمني في شرق اليمن، ولا سيما في المحافظات المطلة على البحر العربي والقريبة من خطوط الملاحة الإقليمية. ويشير هذا التحرك إلى رغبة سعودية واضحة في منع أي تغييرات ميدانية أحادية قد تؤدي إلى خلل في الترتيبات الأمنية أو فتح المجال أمام صراعات محلية موسعة.
كما تحمل الغارات رسالة إقليمية مفادها أن إدارة الملف الأمني في حضرموت والمهرة يجب أن تتم عبر قنوات رسمية وتنسيق مباشر مع التحالف والحكومة اليمنية، بما يحول دون تصاعد النزاع وتحوله إلى عامل تهديد للأمن الإقليمي.

سياسياً، تأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ متواصلة من المجلس الانتقالي لتعزيز نفوذه في جنوب وشرق اليمن، في سياق مشروع سياسي يطالب بانفصال الجنوب. إلا أن الغارات السعودية، إلى جانب المواقف الرسمية الصادرة عن الرياض، تعكس حدود هذا التحرك في ظل رفض إقليمي لأي خطوات قد تؤدي إلى تقسيم فعلي للبلاد.
كما أن تصاعد المواجهات بين قوات الانتقالي وحلف قبائل حضرموت يكشف عن تعقيدات المشهد المحلي، حيث تتقاطع المطالب القبلية بالحكم الذاتي مع المشاريع السياسية الأكبر، ما يضع الانتقالي أمام تحديات سياسية تتجاوز البعد العسكري.

تسببت الغارات والاشتباكات المصاحبة لها في خسائر بشرية في صفوف قوات النخبة الحضرمية، إضافة إلى ارتفاع منسوب التوتر الأمني في مناطق مأهولة بالسكان. ويظل المدنيون في حضرموت من أكثر الأطراف تأثراً بتداعيات التصعيد، في ظل مخاوف من اتساع رقعة المواجهات وتعطل الخدمات الأساسية.
وعلى مستوى أوسع، تعزز هذه التطورات المخاوف من انزلاق شرق اليمن إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى محلية متعددة، في وقت لم تنجح فيه الجهود الإقليمية والدولية حتى الآن في تحقيق تسوية شاملة للحرب اليمنية.

تكشف الغارات الجوية السعودية على مواقع المجلس الانتقالي في حضرموت عن مرحلة جديدة من إدارة التوازنات الأمنية والسياسية في شرق اليمن. فمن ناحية، تؤكد الرياض تمسكها بدور الضامن للاستقرار الإقليمي ورفضها لأي تحركات عسكرية غير منسقة، ومن ناحية أخرى، تضع هذه الغارات المجلس الانتقالي أمام ضغوط سياسية متزايدة للانخراط في مسار تهدئة وتنسيق رسمي.
وفي المدى القريب، من المرجح أن تسهم هذه التطورات في إعادة ترتيب المشهد الميداني في حضرموت، مع احتمالات تصاعد الضغوط الإقليمية لاحتواء النزاع ومنع تحوله إلى تهديد أوسع للأمن الإقليمي في جنوب الجزيرة العربية.




الخميس، 25 ديسمبر 2025

زيارة البرهان إلى أنقرة: أبعاد سياسية وأمنية في توقيت إقليمي بالغ الحساسية

 

 الوفد السوداني يلتقي نظيره التركي في قصر الرئاسة بأنقرة لمناقشة ملفات التعاون الاقتصادي، الدفاعي، وجهود السلام في السودان.




وصل رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى العاصمة التركية أنقرة في زيارة رسمية جاءت بدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعُقدت مراسم الاستقبال في القصر الرئاسي التركي، في توقيت سياسي بالغ الدقة، يتزامن مع استمرار الحرب في السودان وتفاقم واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم. وتأتي الزيارة في ظل تحولات إقليمية متسارعة، وسط رهانات متزايدة على دور العلاقات الثنائية في دعم مساعي الاستقرار وإنهاء الصراع، وما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على أمن الإقليم والقرن الإفريقي.

تأتي زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني إلى تركيا في سياق حرب مفتوحة اندلعت منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وأسفرت عن خسائر بشرية واسعة، ونزوح ملايين المدنيين، وانهيار شبه كامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية في عدد من المناطق، لا سيما في دارفور وكردفان.
من وجهة النظر السودانية، تعكس الزيارة توجهاً واضحاً نحو تنشيط الحراك الدبلوماسي مع دول إقليمية مؤثرة، في محاولة لكسر العزلة السياسية، وتعزيز شرعية مؤسسات الدولة، والبحث عن داعمين قادرين على الإسهام في تخفيف الضغوط السياسية والإنسانية. كما تهدف القيادة السودانية إلى تنويع شراكاتها الخارجية، وعدم الاكتفاء بالمسارات الغربية التقليدية، في ظل تعقّد المشهد الدولي حول الأزمة السودانية.
أما من الجانب التركي، فتأتي الزيارة في إطار سعي أنقرة إلى تثبيت حضورها كفاعل إقليمي في ملفات النزاعات، وتأكيد دورها كوسيط محتمل في الأزمات المعقّدة، مستندة إلى تجارب سابقة في مناطق عدة، من بينها ليبيا وأوكرانيا والقوقاز. وتُعد السودان، بحكم موقعه الجغرافي وارتباطه بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ساحة ذات أهمية استراتيجية للأمن الإقليمي التركي.

شهدت المباحثات بين الجانبين، وفق التصريحات الرسمية، نقاشاً موسعاً حول عدد من الملفات ذات الطابع السياسي والاقتصادي والأمني. وفي مقدمة هذه الملفات، التعاون الاقتصادي، لا سيما في مجالات التجارة والزراعة والتعدين، وهي قطاعات تمثل أولوية للسودان في مرحلة ما بعد الحرب، وترى فيها تركيا فرصاً استثمارية طويلة الأمد.
كما طُرح ملف الصناعات الدفاعية والتعاون الأمني، بما يشمل التدريب وتبادل الخبرات والدعم الفني، في ظل ما تواجهه الدولة السودانية من تحديات أمنية معقّدة. ورغم حساسية هذا الملف، فإن حضوره يعكس إدراك الطرفين لأهمية بناء قدرات الدولة النظامية، ضمن مقاربة ترتبط بالأمن والاستقرار الإقليميين.
إلى جانب ذلك، احتل ملف السلام ووقف إطلاق النار مساحة بارزة في النقاشات، حيث أكدت تركيا رغبتها في الإسهام في الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء النزاع، وتقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين، خاصة في المناطق التي تشهد أوضاعاً إنسانية كارثية، مثل مدينة الفاشر. كما جرى بحث آفاق إعادة الإعمار مستقبلاً، بوصفها مرحلة لا تنفصل عن أي تسوية سياسية شاملة.

تحمل زيارة البرهان إلى أنقرة دلالات سياسية وإقليمية تتجاوز بعدها الثنائي، إذ تعكس تحولاً في تموضع السودان إقليمياً، وسعياً لإعادة ترتيب علاقاته الخارجية في لحظة مفصلية من تاريخه السياسي. كما تشير إلى اهتمام تركي متزايد بالملف السوداني، في إطار مقاربة أوسع تتعلق بأمن البحر الأحمر واستقرار القرن الإفريقي.
وفيما يخص تأثير الزيارة على مسار الحرب، فإنها تمنح القيادة السودانية دفعة دبلوماسية قد تُسهم في تحسين موقعها التفاوضي، وفتح قنوات دعم جديدة، سواء على الصعيد الإنساني أو السياسي. غير أن الزيارة، في حد ذاتها، لا تمثل تحولاً حاسماً في مسار الصراع، إذ يظل تأثيرها العملي مرهوناً بمدى ترجمة المباحثات إلى خطوات ملموسة على الأرض، ضمن مسار سياسي شامل يضع حداً للحرب.
أما على الصعيد الإنساني، فمن المتوقع أن تفتح الزيارة الباب أمام تعزيز المساعدات الإنسانية والتنسيق الإقليمي، لكنها تظل خطوة ضمن مسار طويل ومعقّد، يتطلب تضافر جهود إقليمية ودولية واسعة لمعالجة جذور الأزمة.

تأتي زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني إلى تركيا في توقيت استثنائي، وتعكس تداخلاً واضحاً بين أبعاد السياسة والأمن والاقتصاد في الأزمة السودانية. وبينما تسعى الخرطوم إلى دعم إقليمي يعزز فرص الاستقرار، تعمل أنقرة على ترسيخ دورها في معادلات الأمن الإقليمي، في مشهد لا تزال مآلاته مفتوحة على احتمالات متعددة.

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

حادث تحطم طائرة رئيس أركان الجيش الليبـي : تداعياته على ليبيا والسودان

صورة توضيحية لحادث تحطم طائرة أقلّت وفدًا عسكريًا ليبيًا بعد إقلاعها من أنقرة، في إطار التغطية الإخبارية للحادث وتداعياته الإقليمية.


لقي رئيس أركان الجيش الليبـي الفريق أول محمد علي الحداد وعدد من مرافقيه مصرعهم، مساء الثلاثاء، في حادث تحطم طائرة بعد إقلاعها من مطار أنقرة، في واقعة وقعت خارج الأراضي الليبية لكنها تحمل دلالات إقليمية، في ظل تشابك الملفات الأمنية بين ليبيا ودول الجوار، واستمرار هشاشة المشهد الأمني في المنطقة، بما في ذلك الحدود الليبية–السودانية.

أعلنت السلطات التركية أن الطائرة تحطمت على بعد نحو كيلومترين جنوب قرية «كيسيك كافاك» في منطقة هيمانا التابعة للعاصمة أنقرة، عقب انقطاع الاتصال بها بعد وقت قصير من إقلاعها متجهة إلى طرابلس. وقال وزير الداخلية التركي علي يرلي قايا إن فرق الدرك عثرت على حطام الطائرة والجثث في موقع الحادث، فيما أكد وزير العدل التركي يلماظ تونتش أن نيابة أنقرة باشرت تحقيقًا رسميًا للوقوف على ملابسات الواقعة.
وفي طرابلس، أوضحت الحكومة الليبية أن الطائرة كانت مستأجرة وليست تابعة لسلاح الجو الليبي، مشيرة إلى أن الطاقم أبلغ برج المراقبة بوجود عطل فني بعد الإقلاع بقليل. وذكرت أن رئيس الأركان كان في مهمة رسمية إلى أنقرة بدعوة من نظيره التركي، في إطار التعاون العسكري القائم بين الجانبين.

أسفر الحادث عن مصرع خمسة أشخاص، هم رئيس أركان الجيش الليبي الفريق أول محمد علي الحداد، ومستشاره محمد العصاوي دياب، ورئيس أركان القوات البرية الفريق ركن الفيتوري غريبيل، ومدير جهاز التصنيع العسكري العميد محمود القطيوي، إلى جانب المصور في مكتب الإعلام العسكري محمد عمر أحمد محجوب.
ويُعد الحداد أحد أبرز القيادات العسكرية في غرب ليبيا، حيث يشغل موقعًا محوريًا في البنية القيادية للجيش، إلى جانب مرافقيه الذين ينتمون إلى دوائر عملياتية وتنظيمية مؤثرة داخل المؤسسة العسكرية. ويمنح ذلك الحادث بعدًا مهنيًا وأمنيًا، من حيث تأثيره على هيكل القيادة وجاهزية بعض الملفات العسكرية، دون أن تخرج التغطية الرسمية عن إطار التحقيق الفني المعتمد لتحديد أسباب السقوط.


في أعقاب الحادث، قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان تعازيه إلى كلٍّ من رئيس المجلس الرئاسي الليبـي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية. وجاءت التعزية بصيغة رسمية سيادية، عكست حرص القيادة السودانية على مخاطبة المؤسسات السياسية الليبية المعترف بها دوليًا، في توقيت يشهد تداخلًا واضحًا في الملفات الأمنية بين البلدين.
وتكتسب هذه الخطوة دلالة خاصة في ظل تشابك الأوضاع على الحدود السودانية ـ الليبية، حيث يظل الاستقرار في الجنوب الليبـي عنصرًا مؤثرًا على الأمن الإقليمي، بما في ذلك تدفقات السلاح وحركة الجماعات المسلحة العابرة للحدود. وفي هذا السياق، يُنظر إلى التعزية كجزء من إدارة العلاقات الإقليمية والحفاظ على قنوات التواصل الرسمية، دون الانخراط في تعقيدات الانقسام الداخلي الليبـي.


يأتي حادث تحطم الطائرة التي كانت تقل رئيس أركان الجيش الليبـي في لحظة إقليمية حساسة، تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والاستقرار بين ليبيا ودول الجوار. وبينما تركز التحقيقات الجارية على الجوانب الفنية للحادث، يبرز الحدث بوصفه تذكيرًا بهشاشة البيئة الأمنية في المنطقة، وأهمية التنسيق الدبلوماسي والأمني بين الدول المعنية، في ظل تشابك الملفات السودانية ـ الليبية، وسعي الأطراف الإقليمية إلى الحد من تداعيات أي فراغ أو ارتباك أمني قد ينعكس خارج الحدود الوطنية.


 

الاثنين، 22 ديسمبر 2025

زيارة بلا تفاصيل: ماذا تعكس زيارة رئيس الوزراء السوداني إلى الأمم المتحدة؟

 

جاءت زيارة رئيس الوزراء السوداني إلى الأمم المتحدة وسط غياب لافت للتفاصيل الرسمية المتعلقة بجدول أعمالها أو مدتها، في وقت تباينت فيه الروايات الإعلامية حول أهداف الزيارة، بين من وصفها بأنها لقاءات مع مسؤولين أمميين، ومن أشار إلى ارتباطها ببحث هدنة إنسانية عبر وساطات إقليمية. هذا الغموض، الذي لم تُرافقْه إعلانات عن وفد تفاوض أو مسار تفاوضي واضح، يفتح الباب أمام قراءة سياسية أوسع لتوقيت الزيارة وحدود ما يمكن أن تحققه في ظل تعقيدات المشهد السوداني.


تأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، حيث يواجه السودان حربًا مفتوحة وتحديات إنسانية متفاقمة، إلى جانب تعقيدات سياسية تتعلق بالشرعية والتمثيل الخارجي. وفي مثل هذه الظروف، تكتسب أي زيارة رسمية إلى المحافل الدولية أبعادًا تتجاوز بعدها البروتوكولي، لتتحول إلى رسالة سياسية موجهة للخارج، تعكس كيفية تقديم الدولة لنفسها في لحظة أزمة مركبة.

اللافت في هذه الزيارة هو تباين التوصيفات الإعلامية بشأن أهدافها، إذ اكتفت بعض المنصات بالحديث عن لقاءات مع مسؤولين في الأمم المتحدة، بينما ذهبت تقارير أخرى إلى ربطها بمساعٍ للتفاوض حول هدنة إنسانية عبر أطراف إقليمية، من بينها دولة الإمارات. هذا التباين لا يعكس فقط اختلاف مصادر المعلومات، بل يسلط الضوء على غياب رواية رسمية موحدة توضّح طبيعة التحرك وحدوده.

في العادة، تُدار المفاوضات الرسمية، لا سيما تلك المتعلقة بالهدن أو الملفات الإنسانية، عبر وفود معلنة ومسارات تفاوض واضحة، بما يضمن الشفافية وتحديد المسؤوليات. وفي هذا السياق، يثير غياب الإعلان عن وفد تفاوض أو إطار تفاوضي محدد تساؤلات حول ما إذا كانت الزيارة تدخل في إطار التفاوض المباشر، أم تقتصر على جسّ النبض واستكشاف المواقف داخل أروقة الأمم المتحدة.

بغض النظر عن الهدف المباشر للزيارة، يمكن قراءة هذا التحرك كرسالة موجهة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الحكومة السودانية تسعى للحفاظ على حضورها في المنصات الأممية، وإبقاء الملف السوداني ضمن الأجندة الدولية. كما قد تعكس الزيارة محاولة لإعادة ضبط قنوات التواصل الدبلوماسي، في ظل تعدد المبادرات الإقليمية والدولية المتعلقة بالأزمة.

مع ذلك، تبقى قدرة مثل هذه الزيارات على إحداث اختراق حقيقي مرهونة بعوامل تتجاوز مجرد الحضور الدبلوماسي، من بينها وضوح الرؤية السياسية، وتماسك الموقف الداخلي، وتحديد مسارات تفاوض واضحة. فغياب هذه العناصر قد يحوّل التحركات الخارجية إلى رسائل رمزية أكثر منها أدوات تأثير فعلي في مسار الأزمة.

في المحصلة، تضع زيارة رئيس الوزراء السوداني إلى الأمم المتحدة المشهد السياسي أمام أكثر من قراءة، يتداخل فيها البعد الدبلوماسي مع تعقيدات الحرب والانقسام الدولي حول الملف السوداني. وبينما يظل الغموض سمة بارزة لهذا التحرك، يبقى الرهان الحقيقي على ما إذا كانت هذه الزيارات ستتطور إلى مسارات سياسية واضحة، أم ستظل جزءًا من إدارة الأزمة دون معالجة جذورها.