الخرطوم ليست مجرد مدينة، بل هي رمز للسودان وعاصمته المعنوية والسياسية. تحتوي على القصر الجمهوري، القيادة العامة للقوات المسلحة، البنك المركزي، والسفارات، مما يجعلها مركز الثقل السياسي والاقتصادي في البلاد. مع إعلان رئيس الوزراء عن عودة حكومة الأمل إلى الخرطوم، تتجلى هذه العودة بعد تضحيات كبيرة، لتؤكد أن العاصمة قادرة على النهوض مهما تعرضت للمحن.
قبل 15 أبريل، كانت الخرطوم تمثل العاصمة القومية، ومقر السلطة السيادية في السودان. عودة حكومة الأمل إليها تعني استئناف المدينة دورها كمركز لاستقبال الوفود الحكومية، واستعادة الخدمات للمواطنين.ورغم الضرر الذي لحق بالبنية التحتية، فإن عودة الحكومة دشنت بداية عملية الإعمار، حيث عاد أكثر من مليون شخص إلى الخرطوم، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة . وأعرب رئيس الوزراء عن دعم الحكومة لتحسين الخدمات وإعادة الإعمار، مما يعكس جدية السلطات في إعادةالخرطوم إلى مكانتها الطبيعية كعاصمة سيادية وخدمية.
الخرطوم في قلب المواجهة: تحديات العاصمة وتضحياتها
في منتصف أبريل 2023، استيقظت الخرطوم على دويّ الانفجارات وأصوات الاشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع، ما أدى فورًا إلى توقف الرحلات في مطار الخرطوم الدولي. داخل صالات المطار، تفاجأ المسافرون بانتشار قوات الدعم السريع، لتتوقف الحركة تدريجيًا وتتعطل الخدمات قبل أن يُغلق المطار بالكامل. ومع إغلاق الجسور وتبادل إطلاق النار، شُلّت حركة التنقل داخل المدينة، واضطر السكان إلى البقاء في منازلهم أو البحث عن طرق بديلة للخروج، في وقت لم تُستأنف فيه الرحلات المدنية إلا في أكتوبر 2025.
امتد تأثير الحرب ليشمل مختلف مرافق العاصمة، حيث خرجت المستشفيات عن الخدمة، وتوقفت أقسام الشرطة، وأُغلقت الأسواق والجامعات، ما أدى إلى شلل شبه كامل للحياة المدنية. هذا الانهيار الخدمي دفع أعدادًا كبيرة من المواطنين إلى النزوح، بينما واصل العاملون المدنيون، من كوادر صحية وخدمية، أداء مهامهم في ظروف بالغة الصعوبة، مقدمين تضحيات كبيرة للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات داخل مدينة تحولت من مركز سيادي وخدمي إلى ساحة صراع مفتوحة.
هذه التحديات لم تؤثر فقط على الحياة اليومية للمواطنين، بل أظهرت حجم التضحيات التي قدمها أبطال القوات المسلحة للحفاظ على استمرار المدينة وعودتها تدريجيًا إلى الواجهة، كما أبرزت هشاشة البنية التحتية، ما يوضح مدى أهمية جهود الجيش في استعادة الرمزية السياسية والخدمية للعاصمة.
العودة إلى العاصمة: من الرمزية إلى الفعل
أعلنت الحكومة السودانية عودتها بكامل عضويتها إلى العاصمة الخرطوم، منهية مرحلة كانت فيها مدينة بورتسودان عاصمة مؤقتة لإدارة شؤون الدولة. وجاء الإعلان من أعلى سلطة تنفيذية، بما يؤكد أن العودة لا تندرج في إطار الاجتماعات البروتوكولية أو المؤتمرات الرمزية، بل تمثل خطوة عملية نحو تطبيع الحياة واستئناف جهود إعادة الإعمار. عمليًا، تعني هذه العودة انتقال الدولة من إدارة الأزمة عن بُعد إلى مباشرة مهامها من قلب العاصمة، بعد سلسلة من الجهود الميدانية التي سبقت الانتقال، شملت إزالة مخلفات الحرب، فتح الطرق والجسور، واستئناف عمل أقسام الشرطة مع انتشار الدوريات لتأمين الأحياء وبسط الأمن. كما أسهمت مبادرات شعبية، بالتعاون مع الفرق الفنية المتخصصة، في إعادة تشغيل خطوط الكهرباء والمياه إلى عدد من الأحياء، في تعبير واضح عن شراكة المجتمع في استعادة الحياة. وتزامن ذلك مع بدء إعادة تشغيل مطار الخرطوم، وافتتاح بعض المدارس والجامعات، وعودة عدد من البنوك والمؤسسات الخدمية إلى العمل، ما يعكس أن عودة الحكومة ليست خطوة رمزية، بل بداية فعلية لإعادة بناء العاصمة واستعادة دورها السياسي والخدمي. وفي هذا السياق، تثبت الخرطوم قدرتها على النهوض واستعادة حركتها، مستندة إلى صمود سكانها خلال سنوات الحرب، والتضحيات الكبيرة التي قدمتها القوات المسلحة في تحرير المدينة، حيث نجح الجيش في إعادة الأمن وتوفير الاستقرار وبسط سيادة الدولة، وهو ما يهيئ شروط إعادة الإعمار من إرادة شعبية، وحكومة ملتزمة، وقوة عسكرية قادرة على الحماية والدفاع. ومن الناحية السياسية، تعني عودة الحكومة إلى الخرطوم استعادة الشرعية، بما يعزز موقعها في موازين الحرب، ويقوي سرديتها، ويؤكد الدور المحوري للقوات المسلحة في صون رمزية العاصمة وحفظ السيادة الوطنية.
تحولات الوعي والاصطفاف الوطني
على المستوى المجتمعي، قابل السودانيون عودة الحكومة إلى الخرطوم بمزيج من الفرح الحذر والتطلعات الكبيرة للمستقبل، بعد تجربة قاسية أعادت تشكيل وعيهم بدور الدولة وأهميتها. فقد أسهمت الحرب، بما حملته من تهديد وجودي، في رفع مستوى الوعي الشعبي بضرورة المحافظة على مؤسسات الدولة وعدم التفريط فيها، كما عززت الشعور بالوحدة الوطنية الذي كان غائبًا أو متراجعًا في الوعي العام قبل اندلاع الصراع. هذا التحول تجلّى في الاصطفاف الواسع خلف القوات المسلحة، التي بات ينظر إليها بوصفها الضامن الأساسي لبقاء الدولة، وهو اصطفاف لم يكن عاطفيًا فقط، بل تُرجم عمليًا في حملات الاستنفار الشعبي والمبادرات المجتمعية الواسعة التي شاركت في إعادة الإعمار، ودعم الخدمات، والمساندة الميدانية. وفي المقابل، كشفت الحرب عن تشوهات واختلالات عميقة في بنية الدولة ومساراتها السياسية السابقة، ما انعكس في رفض شعبي واضح لأي مبادرات سياسية تُفرض من الخارج أو تسويات تعيد قوات الدعم السريع إلى مستقبل المشهد السياسي، باعتبار أن تلك الخيارات لا تتوافق مع تطلعات السودانيين لبناء دولة مستقرة، موحدة، وقادرة على حماية سيادتها.
في المحصلة، لا تختزل عودة الخرطوم في كونها عودة جغرافية لمقار الحكم، بل استعادة لمعنى الدولة ورمزيتها في الوعي الجمعي للسودانيين. فالمدينة التي كانت مركز السيادة والقرار قبل الحرب، تعود اليوم محمّلة بذاكرة الألم والتضحيات، لكنها تعود أيضًا بإرادة النهوض وإعادة بناء ما تهدّم. غير أن رمزية العاصمة لا تكتمل بالوجود الرسمي وحده، بل بقدرتها على ترجمة هذه العودة إلى أمن مستدام، وخدمات فاعلة، وعدالة تُعيد الثقة بين الدولة والمجتمع. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تنجح هذه العودة في التحول من لحظة رمزية إلى مسار دائم يعالج اختلالات الدولة التي كشفتها الحرب، أم تظل الخرطوم رمزًا مستعادًا في الشكل، بينما تبقى تحديات البناء الحقيقي مؤجلة؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل العاصمة، بل ملامح السودان في مرحلة ما بعد الحرب.


















