اندلاع الحروب لا يكون بهدف القتال فقط، بل في كثير من الأحيان لفرض واقعٍ جديد، أو إعادة توزيع النفوذ، أو ترتيب الولاءات والتحالفات. ولأنها من أخطر وأقذر الأدوات السياسية، تُستخدم كملاذ أخير لتحقيق الأهداف، فهي بمنطق السياسة أداة تفاوض بالقوة ووسيلة لإعادة هندسة موازين القوى.
إذا تحدثنا عن الحروب في السودان، فإنها تُعد السمة المهيمنة على بنية الدولة منذ الاستقلال. فقد دخل السودان في دوامة صراعات طويلة ومعقدة امتدت لعقود، وغالبًا ما كانت تُبرَّر سياسيًا باسم الإيديولوجيا، أو تُصبغ بطابع عرقي، أو تُستغل كصراع على السلطة.
غير أن الحرب الدائرة اليوم قد تكون الأكثر مشروعية مقارنةً بسابقاتها. فالمشروعية هنا لم تأتِ من قرار رسمي، بل من تفويض شعبي ضمني؛ فالشعب لم يعلن الحرب، لكنه مارس حقه الطبيعي في مقاومة العدوان. وقد ظهر ذلك جليًا من خلال تصاعد المقاومة الشعبية، حيث انخرطت فئات المجتمع في الدفاع عن أرضها ووجودها وهويتها.
السودانيون اليوم يقفون مع قواتهم المسلحة لأنهم أدركوا أن هذه الحرب تستهدف وجودهم في الأساس. وتشير التقارير إلى نزوح أكثر من 8 ملايين شخص، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ البلاد.
ولم تتوقف الانتهاكات عند استهداف الإنسان، بل طالت البنية التحتية ومحاولة تفريغ مؤسسات الدولة من محتواها.وفقاً لتقرير نُشر على موقع عربي بوست فقد تم تدمير دار الوثائق السودانية، التي تحتوي على أكثر من 3 ملايين وثيقة تغطي حقب الفونج والفور والمهدية وفترات الحكم الحديثة، في محاولة
لطمس الذاكرة الوطنية.
كما استُهدف المتحف القومي السوداني من قِبل مليشيا الدعم السريع، وتم نهب وتهريب قطع أثرية ثمينة تمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى الفترة الإسلامية. وهو ما يُعد جريمة ثقافية وحضارية تهدد هوية الأمة ومكانتها التاريخية.
لذلك، فإن خيار السودانيين بالوقوف إلى جانب جيشهم الوطني ليس مجرد انحياز عسكري، بل موقف أخلاقي ووجودي. إنه دفاع عن وحدة الأرض، وحماية للهوية، وصونٌ للتراث والتاريخ التليد. فالمواجهة ليست مع فصيل مسلح فحسب، بل مع مشروع خارجي يسعى لإعادة تشكيل السودان وفق أجندات مفككة.
ورغم الألم والحزن على ما يحدث في وطني، إلا أنني مؤمن بأن السودان موعود بنهضة تاريخية ستُعيد بناء الدولة على أسس أكثر وعيًا وصلابة. نهضة تُنهي إرث الحروب التي أنهكت الاقتصاد، وأربكت السياسة، وشتّتت النسيج الاجتماعي.
السودان اليوم يقف عند مفترق طرق، لكنني أثق أن وعي الشعب وتمسّكه بهويته سيجعل من هذه المحنة بوابة لعبورٍ جديد نحو مستقبل يليق بتاريخه، ويحفظ كرامة إنسانه، ويعيد له مكانته بين الأمم.







