ترجمة

الثلاثاء، 11 نوفمبر 2025

قراءة تحليلية في مقال "صمت المثقفين في السودان... من يواجه الحرب؟" المنشور على مدونات الجزيرة

   تحليل من مدونة بوصلة المعنى
 

اطلعتُ على مقال بعنوان «صمت المثقفين في السودان... من يواجه الحرب؟» للكاتب محمد إسماعيل احمد ، نُشر على منصة مدونات الجزيرة. تناول فيه الكاتب غياب دور المثقف في الحرب السودانية الراهنة، مقدّمًا رؤية شاملة حول تعريف المثقف، ومسؤوليته الأخلاقية، ودوره في توعية المجتمع خلال الأزمات.

المقال شدّد على أن المثقف الحقيقي هو من ينشط في الفضاء العام برؤية ورسالة، ويساهم في نشر الوعي والدفاع عن القيم الأخلاقية، حتى عند انحيازه لطرف من أطراف الصراع. كما أشار إلى أن الحرب الحالية أفرزت واقعًا مشوشًا تداخل فيه السياسي والاجتماعي والنفسي والأخلاقي، مما أفقد كثيرًا من المثقفين بوصلتهم الفكرية. واختتم الكاتب بأن الحرب ليست صراعًا على السلطة، بل تهديد وجودي لبقاء المجتمع والدولة.


أولاً: في تعريف المثقف

بوصلة المعنى ترى أن ما قدّمه الكاتب لا يُعد تعريفًا بقدر ما هو دعوة للنخب للقيام بدورها الحقيقي من منطلق أخلاقي، بعيدًا عن المصالح الضيقة أو الانتماءات الحزبية والشخصية. فالمثقف، كما نراه، ليس مجرد ناشط في الفضاء العام، بل هو حامل لوعي نقدي يُسائل الواقع ويعيد توجيه البوصلة الأخلاقية للمجتمع.


ثانيًا: في دور المثقف داخل المجتمع

حديث الكاتب عن "توجيه المجتمعات" يحتاج إلى مراجعة. فالمجتمعات لا تُوجَّه بالمفكرين وحدهم، بل عبر خطابات الدولة الإعلامية التي تصوغ الرأي العام من خلال برامج موحّدة تُخاطب العاطفة وتقدّم تصورات عن الرفاه والاستقرار.

وهنا يكمن الفرق بين الإعلام والمثقف: الإعلام أداة سلطة تسعى إلى توجيه الناس نحو أهداف الدولة، أما المثقف فهو أداة وعي تهدف إلى تحرير العقول من القوالب الجاهزة، ومساءلة الخطاب الرسمي، لا تكراره.


ثالثًا: في توصيف المشهد الراهن

تتفق بوصلة المعنى مع الكاتب في تشخيصه للاستقطاب الجهوي الناتج عن الحرب، حيث لجأ الأفراد إلى قبائلهم وإثنياتهم طلبًا للحماية. لكن هذا التحول ليس ناتجًا عن غياب المثقف، بل عن تآكل الدولة نفسها وفشلها في القيام بوظائفها الأساسية. انهيار بعض المدن وسقوطها بيد قوات الدعم السريع مثال واضح على هذا الضعف البنيوي.



رابعًا: في تعريف الحرب وموقف النخب

تتفق بوصلة المعنى مع الكاتب في توصيفه للحرب بأنها حرب وجود لا صراع سلطة. غير أن المسؤولية في هذه المرحلة تقع أولًا على النخب السياسية التي يفترض أن تلتف حول مؤسسات الدولة لحمايتها من الانهيار، مع بقاء حق النقد والمراجعة قائمًا. بعد ذلك يأتي دور المثقفين في ترسيخ وعي جماعي يُدرك خطورة اللحظة التاريخية ويعمل على حماية الدولة في أشد أزماتها.


الخاتمة: بوصلة المعنى

إن ما نعيشه اليوم يتجاوز الخطاب الثقافي العادي إلى سؤال وجودي حول معنى الدولة والمواطنة. فالمثقف ليس قائدًا سياسيًا، بل ضميرًا عامًا يحرس المعنى حين تضلّ النخب الطريق.

ومن هنا، تنطلق بوصلة المعنى من قناعة أن الفكر ليس ترفًا، بل مسؤولية أخلاقية في زمن تتقاطع فيه الحقيقة مع الدعاية، والوعي مع الفوضى.