![]() |
| الوفد السوداني يلتقي نظيره التركي في قصر الرئاسة بأنقرة لمناقشة ملفات التعاون الاقتصادي، الدفاعي، وجهود السلام في السودان. |
وصل رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى العاصمة التركية أنقرة في زيارة رسمية جاءت بدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعُقدت مراسم الاستقبال في القصر الرئاسي التركي، في توقيت سياسي بالغ الدقة، يتزامن مع استمرار الحرب في السودان وتفاقم واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم. وتأتي الزيارة في ظل تحولات إقليمية متسارعة، وسط رهانات متزايدة على دور العلاقات الثنائية في دعم مساعي الاستقرار وإنهاء الصراع، وما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على أمن الإقليم والقرن الإفريقي.
تأتي زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني إلى تركيا في سياق حرب مفتوحة اندلعت منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وأسفرت عن خسائر بشرية واسعة، ونزوح ملايين المدنيين، وانهيار شبه كامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية في عدد من المناطق، لا سيما في دارفور وكردفان.
من وجهة النظر السودانية، تعكس الزيارة توجهاً واضحاً نحو تنشيط الحراك الدبلوماسي مع دول إقليمية مؤثرة، في محاولة لكسر العزلة السياسية، وتعزيز شرعية مؤسسات الدولة، والبحث عن داعمين قادرين على الإسهام في تخفيف الضغوط السياسية والإنسانية. كما تهدف القيادة السودانية إلى تنويع شراكاتها الخارجية، وعدم الاكتفاء بالمسارات الغربية التقليدية، في ظل تعقّد المشهد الدولي حول الأزمة السودانية.
أما من الجانب التركي، فتأتي الزيارة في إطار سعي أنقرة إلى تثبيت حضورها كفاعل إقليمي في ملفات النزاعات، وتأكيد دورها كوسيط محتمل في الأزمات المعقّدة، مستندة إلى تجارب سابقة في مناطق عدة، من بينها ليبيا وأوكرانيا والقوقاز. وتُعد السودان، بحكم موقعه الجغرافي وارتباطه بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ساحة ذات أهمية استراتيجية للأمن الإقليمي التركي.
شهدت المباحثات بين الجانبين، وفق التصريحات الرسمية، نقاشاً موسعاً حول عدد من الملفات ذات الطابع السياسي والاقتصادي والأمني. وفي مقدمة هذه الملفات، التعاون الاقتصادي، لا سيما في مجالات التجارة والزراعة والتعدين، وهي قطاعات تمثل أولوية للسودان في مرحلة ما بعد الحرب، وترى فيها تركيا فرصاً استثمارية طويلة الأمد.
كما طُرح ملف الصناعات الدفاعية والتعاون الأمني، بما يشمل التدريب وتبادل الخبرات والدعم الفني، في ظل ما تواجهه الدولة السودانية من تحديات أمنية معقّدة. ورغم حساسية هذا الملف، فإن حضوره يعكس إدراك الطرفين لأهمية بناء قدرات الدولة النظامية، ضمن مقاربة ترتبط بالأمن والاستقرار الإقليميين.
إلى جانب ذلك، احتل ملف السلام ووقف إطلاق النار مساحة بارزة في النقاشات، حيث أكدت تركيا رغبتها في الإسهام في الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء النزاع، وتقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين، خاصة في المناطق التي تشهد أوضاعاً إنسانية كارثية، مثل مدينة الفاشر. كما جرى بحث آفاق إعادة الإعمار مستقبلاً، بوصفها مرحلة لا تنفصل عن أي تسوية سياسية شاملة.
تحمل زيارة البرهان إلى أنقرة دلالات سياسية وإقليمية تتجاوز بعدها الثنائي، إذ تعكس تحولاً في تموضع السودان إقليمياً، وسعياً لإعادة ترتيب علاقاته الخارجية في لحظة مفصلية من تاريخه السياسي. كما تشير إلى اهتمام تركي متزايد بالملف السوداني، في إطار مقاربة أوسع تتعلق بأمن البحر الأحمر واستقرار القرن الإفريقي.
وفيما يخص تأثير الزيارة على مسار الحرب، فإنها تمنح القيادة السودانية دفعة دبلوماسية قد تُسهم في تحسين موقعها التفاوضي، وفتح قنوات دعم جديدة، سواء على الصعيد الإنساني أو السياسي. غير أن الزيارة، في حد ذاتها، لا تمثل تحولاً حاسماً في مسار الصراع، إذ يظل تأثيرها العملي مرهوناً بمدى ترجمة المباحثات إلى خطوات ملموسة على الأرض، ضمن مسار سياسي شامل يضع حداً للحرب.
أما على الصعيد الإنساني، فمن المتوقع أن تفتح الزيارة الباب أمام تعزيز المساعدات الإنسانية والتنسيق الإقليمي، لكنها تظل خطوة ضمن مسار طويل ومعقّد، يتطلب تضافر جهود إقليمية ودولية واسعة لمعالجة جذور الأزمة.
تأتي زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني إلى تركيا في توقيت استثنائي، وتعكس تداخلاً واضحاً بين أبعاد السياسة والأمن والاقتصاد في الأزمة السودانية. وبينما تسعى الخرطوم إلى دعم إقليمي يعزز فرص الاستقرار، تعمل أنقرة على ترسيخ دورها في معادلات الأمن الإقليمي، في مشهد لا تزال مآلاته مفتوحة على احتمالات متعددة.







