
تأتي زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى المملكة العربية السعودية في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد الحرب في السودان، واتساع رقعة الاشتباكات، وتعقّد المشهدين الأمني والإنساني. وبينما اكتفت البيانات الرسمية بلغة دبلوماسية مختصرة، فإن قراءة الزيارة من زاوية الأمن الإقليمي تكشف دلالات أعمق تتجاوز المجاملات البروتوكولية، لتضع السودان في قلب معادلة البحر الأحمر وأمن الملاحة والطاقة.
تزامنت زيارة الفريق عبد الفتاح البرهان إلى السعودية مع تصاعد لافت في وتيرة الحرب داخل السودان، خاصة في ولايات كردفان، حيث تدور اشتباكات ضارية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. وفي الوقت ذاته، برز تطور لافت يتمثل في تولي الجيش الشعبي لتحرير السودان – جنوب السودان حماية حقل هجليج النفطي، دون صدور بيان رسمي من الجيش السوداني يعلن عن تفاهمات أو اتفاقيات واضحة بشأن تحويل حماية الحقل إلى قوة محايدة.
ورغم هذا الغياب الرسمي، يرى أغلب المراقبين أن الخطوة تأتي في إطار حماية المنشآت الحيوية ومنع توسيع رقعة الحرب، مع التأكيد على أن إدارة الحقل ما تزال بيد الدولة السودانية. وهي ليست سابقة في التاريخ السياسي، إذ لجأت دول أخرى في ظروف حرب مماثلة إلى ترتيبات حماية محايدة للمنشآت النفطية، كما حدث في العراق، بهدف عزل الاقتصاد عن نيران الصراع.
من هذه الزاوية، لا يمكن فصل زيارة البرهان عن السياق الإقليمي الأوسع. فالسعودية تنظر إلى السودان باعتباره حلقة أمنية مركزية في البحر الأحمر، وأي فوضى داخله تمثل تهديدًا مباشرًا للملاحة الدولية، والتجارة، وخطوط الطاقة. لذلك فإن دعم المملكة لاستقرار السودان لا ينبع من موقف سياسي ضيق، بل من واقتصادي تتعلق بأمن الممرات المائية الحيويةحسابات أمن قومي
الزيارة جاءت في توقيت حساس، ومع تعقيدات إنسانية متزايدة، لتؤكد رسالة أساسية: لا حل للصراع خارج إطار الدولة، وأمن البحر الأحمر خط أحمر. كما تعكس إدراكًا سعوديًا بأن انهيار الدولة السودانية سيحوّل الأزمة من صراع داخلي إلى تهديد إقليمي مفتوح.
وبحسب ما أعلنته وكالة الأنباء السعودية، فقد حضر اللقاء كل من وزير الدفاع، ووزير الخارجية، ووزير المالية، ومستشار الأمن الوطني، والسفير السعودي لدى السودان. وفي منطق السياسة، فإن من حضر أهم مما قيل. هذا التمثيل الرفيع يرسم خريطة أولويات الرياض تجاه السودان.
فحضور وزير الدفاع يعكس أن الملف يُدار من زاوية الأمن والاستقرار، لا الوساطة المجردة. ووجود وزير
الخارجية يشير إلى استعداد المملكة لتوفير غطاء دبلوماسي لأي مسار قادم، قابل للتسويق دوليًا، خصوصًا مع واشنطن والمؤسسات الدولية. أما حضور مستشار الأمن الوطني، فيؤكد أن السودان بات جزءًا من معادلة الأمن القومي السعودي، لا مجرد أزمة خارجية عابرة.
ويحمل حضور وزير المالية دلالة لا تقل أهمية، إذ يشير إلى التفكير في إدارة الدولة ما بعد الحرب، وإعادة الإعمار، وربط الاستقرار بالأفق الاقتصادي. من هنا، يتضح أن السعودية لا تدعم طرفًا بعينه، بل تدعم «صيغة الدولة» القابلة للحياة.
بهذا الجمع بين أدوات القوة الصلبة والناعمة والاقتصادية، يمكن فهم التحرك السعودي بوصفه تصورًا متكاملًا لتسوية تحافظ على سيادة السودان، وتمنع انزلاقه إلى الفوضى الشاملة.
وتعزز هذا الفهم تصريحات الجانب السوداني، حيث نقلت وكالة سونا عن وكيل وزارة الخارجية أن الزيارة بحثت مسار العلاقات الثنائية وسبل تطويرها والارتقاء بها إلى شراكة استراتيجية، عبر إنشاء مجلس تعاون استراتيجي برعاية قيادتي البلدين. هذا الطرح يعكس انتقالًا واضحًا من إدارة الأزمة إلى إدارة الشراكة، ومن ردّ الفعل إلى التخطيط طويل الأمد.
فالشراكات الاستراتيجية لا تُبنى مع فراغ سياسي أو تعدد مراكز القوة، بل مع دولة قادرة على الالتزام والتنفيذ. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تفضيل الرياض التعامل مع المؤسسة العسكرية بوصفها الإطار المتبقي للدولة السودانية، والضامن لوحدتها في هذه المرحلة المعقدة.
وفي ختام الزيارة، جاءت تغريدة البرهان فى حسابه على منصة توتير سابقا التي شكر فيها المملكة وولي العهد الأمير محمد بن سلمان على حفاوة الاستقبال. ورغم طابعها البروتوكولي، فإنها تحمل دلالة سياسية واضحة: تثبيت العلاقة على مستوى القيادة، وغياب الإعلان عن تفاصيل، بما يشير إلى أن الزيارة لم تكن لإعلان نتائج آنية، بل لتأسيس مسار طويل الأمد.
خلاصة القول، إن استقرار السودان لم يعد شأنًا داخليًا، بل أصبح جزءًا من أمن الإقليم. وفي معادلة البحر
الأحمر، يبدو أن السعودية تتحرك ليس كوسيط عابر، بل كضامن محتمل للاستقرار، في محاولة لإعادة إنتاج الدولة السودانية بوصفها شريكًا أمنيًا واقتصاديًا في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.